تعريف بالمياه الرمادية:

استمدت المياه الرمادية هذا الاسم من كونها مياهاً متوسطة بين المياه النقية الصافية (والتي يطلق عليها اصطلاحا بالمياه البيضاء) وبين مياه الصرف الصحي الملوثة (والتي يطلق عليها أيضا اصطلاحا بالمياه السوداء). وتنتج المياه الرمادية من مياه المغاسل، مياه الشاور (المروش) والمغطس، والمياه الناتجة عن غسيل الملابس في الغسالات الأوتوماتيكية.
أي أنها تقريبا ناتج جميع مياه الاستخدام اليومي في منازلنا ماعدا المياه الملوثة بالفضلات البشرية وهي مياه المراحيض ـ أعزكم الله ـ الناتجة عن استخدام صندوق الطرد (السيفون) أو المياه الناتجة من المطابخ على اعتبار أنها في العادة تحتوي على شحوم ومواد عضوية قابلة للتحلل.

تمتاز المياه الرمادية بأنها مياه شبه نقية، لأنها مياه نظيفة في الأصل اختلطت بفعل الغسيل مع بعض الزيوت والصابون والملوثات البسيطة فقط. كما تقدر بعض الإحصاءات أن نسبة المياه الرمادية من مجمل المياه المستخدمة في منازلنا بحوالي ٦٥%، أي أنها أكثر من نصف المياه التي نتخلص منها خلال نظام الصرف الصحي في منازلنا.

وفي التصاميم السائدة حاليا لمنازلنا، فإن المياه الرمادية تختلط مع المياه السوداء في أنابيب المجاري ثم تصرف جميعا إلى شبكة الصرف الصحي الحكومية أو إلى بيارة المنزل. لكن مع ازدياد الطلب على مصادر المياه النقية وندرتها في الكثير من المناطق السكانية، وبالذات المناطق الصحراوية الجافة مثل المملكة، لا بد لنا أن نسأل أنفسنا هذا السؤال.. هل يمكن إعادة استخدام هذه المياه شبه النقية بشكل أكثر فعالية، بدلاً من تصريفها مع مياه المجاري الملوثة؟

كيف نستفيد من المياه الرمادية؟

تمتاز المياه الرمادية بسهولة تكريرها وتنظيفها وإعادة استخدامها مقارنة مع المياه السوداء، حيث بالإمكان حاليا تركيب أجهزة تنقية وتدوير في المنزل لهذا الغرض، بعكس المياه السوداء التي تتطلب محطات معالجة كبيرة ومعقدة.
وهناك الكثير من التقنيات والابتكارات الحديثة التي سجلت في العالم والتي تمكن من تنقية المياه الرمادية وإعادة استخدامها في عدة مجالات، لعل أبرزها هو استخدامها في ري الحدائق والمزروعات، وإعادتها مجددا للاستخدام في صناديق الطرد (ماء السيفون). بل إن هناك تقنيات حديثة تمكن من إعادة المياه الرمادية كسابق عهدها، مياها نقية وقابلة للشرب أيضا !.

أما عن كيفية تدوير المياه الرمادية والاستفادة منها فهي كالتالي:

أولا:
لابد من تصميم نظام الصرف الصحي في المبنى بحيث يتم الفصل تماما بين أنابيب المياه الرمادية (وهي كما ذكرنا مياه المغاسل، الشاور، المياه الناتجة من الغسالات الكهربائية) وبين أنابيب المياه السوداء (مياه المجاري الناتجة من السيفونات ومياه المطابخ). ويتم وضع محطة تصريف بين النظامين لتحويل المياه الرمادية إلى المياه السوداء (وليس العكس طبعا)، وذلك لاستخدامها حينما تزيد المياه الرمادية عن الحاجة أو حينما يكون نظام تدوير المياه تحت الصيانة. (فضلا إضغط على الرسم التوضيحي للنظام كاملا).

ثانيا:
تُجمع المياه الرمادية في خزان تجميع لفصل الشوائب من المياه كالزيوت والصابون وغيرها، ثم يتم التخلص من هذه الشوائب عن طريق فتح محبس في أسفل الخزان من وقت لآخر لطرحها إلى نظام المياه السوداء.

ثالثا:
يتم ضخ المياه الرمادية من خزان التجميع إلى المرشحات (الفلاتر)، وتمر المياه من خلال نوعين من المرشحات، الأول يحتوي على رمل ناعم لإزالة ما تبقى من الشوائب الصلبة، بينما الثاني يحتوي على كربون نشط (Active Carbon) لإزالة أي مواد عضوية في حال وجودها. ويُعاد تنظيف هذه المرشحات بشكل أوتوماتيكي لإزالة العوالق (Backwash Process).

رابعا:
يتم أيضا حقن بعض المواد الكيميائية لمعالجة المياه الرمادية مثل مادة الهايبوكلورايت لتعقيم المياه وقتل الجراثيم، ومواد أخرى لمعادلة حمضية المياه وإزالة أي رائحة غير مرغوبة. كما يتم تمرير المياه بجهاز أشعة فوق بنفسجية لقتل أي بقايا من الجراثيم والبكتيريا، ثم تمر المياه بآخر مرشح (فلتر) متناهي في الصغر للتأكد من عدم وجود أي عوالق أو شعر.

خامسا:
بعد هذه المرحلة، تصبح المياه الرمادية صالحة لإعادة الاستخدام. تجمع المياه من المرحلة السابقة في خزان الإنتاج، ثم تضخ إلى الخزان العلوي عن طريق مضخة رفع، ليتم استخدام المياه مرة أخرى عن طريق توزيعه على جميع صناديق الطرد (السيفون) والبيديه في دورات المياه، أو لاستخدامه في ري الحدائق أو غسل السيارات أو الأرضيات.

وكما ذكرنا سابقا، فإن تصاميم المنازل عندنا مع الأسف لاتفرق بين المياه الرمادية والسوداء، فكلها ستنتهي إلى ماسورة واحدة تتجه إلى شبكة الصرف الصحي أو البيارة. إذا كنتم تفكرون حاليا في بناء منزل أو عمارة تجارية أو سكنية أو فندقا أو مجمعاً سكنيا، هل فكرتم أن تقوموا بإنشاء شبكتين منفصلتين لتصريف المياه، إحداها للمياه السوداء والثانية للرمادية؟ ستسألني: وماذا سنفعل بالمياه الرمادية، وهي كمية لايستهان بها؟

حسنا.. الجواب بسيط.. بالإمكان تركيب جهاز تنقية مياه في القبو أو خلف المبنى ليقوم بفصل الصابون والمنظفات عن المياه الرمادية ثم تعقيم المياه، وبالتالي بإمكانكم استخدام الماء الناتج لري الحدائق، غسيل السيارات والأحواش الخارجية بدلا من استخدام المياه النقية المكلفة.

كما أن بالإمكان أيضا تطوير هذه الفكرة بإعادة ضخ المياه الناتجة إلى دورات المياه في المنزل لغرض استخدامها في أجهزة الطرد (السيفون) بدلا من التضحية بالماء النقي الصالح للشرب لهذه المهمة، وبالتالي تكون قد استخدمت كمية المياه الداخلة إلى منزلك مرتين قبل أن تغادر المنزل إلى شبكة الصرف الصحي.

بل بإمكاننا تطوير هذه الفكرة أكثر عن طريق إنشاء مدينة حديثة بحيث يتم تأسيس شبكتي صرف صحي منفصلتين تماما، واحدة للمياه الرمادية والأخرى للمياه السوداء، وبالتالي يمكن نقل المياه الرمادية إلى بحيرة اصطناعية، وبعد عملية فلترة مناسبة، ستتكون لدينا أروع البحيرات والمسطحات الخضراء !

نظام منزلي لتعقيم المياه الرمادية وإعادة استخدامها

ولا شك أن هذه الفكرة رائعة، وتكمن روعتها في التقليل الكبير في استهلاك المياه والمحافظة على مصادر المياه العذبة بإعادة استخدامها قدر الإمكان بدلا من هدرها في استخدامات لاتتطلب ماء نقيا كما ذكرنا آنفا. هذه ليست مجرد أحلام أو خيالات، فقد تم تطبيق تقنيات إعادة استخدام المياه الرمادية في مجالات مختلفة وكثيرة حول العالم وفي منطقة الخليج. كما تم استخدام هذه التقنيات في المملكة في بعض المنشآت الحكومية والفنادق. وكذلك فإن قوانين وزارة المياه وكود البناء السعودي تشترط مثل هذه التقنيات لبعض المنشآت لكنها مع الأسف غير مفعلة بشكل كامل، بل ولا تحفز المواطنين على تطبيقها، رغم صدور الأمر السامي منذ عدة سنوات والقاضي بضرورة الالتفات إلى هذا الموضوع الحيوي.

وندرك تماماً أن فصل المياه الرمادية عن المياه السوداء بشبكتين مستقلتين سيزيد من تكاليف إنشاء شبكة الصرف الصحي في المنزل، وهو عبء يتمنى أغلب المواطنين التقليل منه على قدر الإمكان. لكن الفائدة المتوقعة على المدى البعيد ستكون أكبر لصاحب المنزل، وخاصة إذا ما زادت تعرفة استهلاك المياه الحلوة عن الوقت الحاضر وهي ـ للعلم فقط ـ أقل بكثييير من تكلفة إنتاج المياه الصالحة للشرب.

ولعلنا ننهي هذا الموضوع، وبشكل مختصر، بذكر بعض فوائد إعادة استخدام المياه الرمادية:

  1. الترشيد بشكل كبير من استهلاك المياه النقية الصالحة للشرب وذلك بإعادة استخدامها، وهذه من أعظم الفوائد خاصة في مملكتنا الغالية وهي بلد صحراوي شحيح المياه.
  2. عدم الحاجة إلى بناء منشآت ضخمة للصرف الصحي في المدن والتقليل من استهلاك الطاقة الكهربائية لتشغيل هذه المنشآت.
  3. التقليل من استخدام المواد الكيمياوية الملوثة للبيئة بغرض تنقية مياه الصرف الصحي في محطات معالجة مياه المجاري.
  4. زيادة خصوبة الأرض في حال استخدام المياه الرمادية لري الحدائق والمزروعات.
  5. زيادة الرقعة النباتية الخضراء في المدن بفضل توفر المياه الرمادية لري مساحات كبيرة.

ولا بد من الإشارة إلى أن تركيب أجهزة تنقية المياه الرمادية في المنازل له فوائد عظيمة كما ذكرنا، إلا أنه لايخلو أيضا من بعض التحديات التي يجب التفكير بها جيداً. فهذه الأجهزة تحتاج إلى صيانة دورية وتبديل للمرشحات من وقت لآخر. كما تحتاج معرفة تامة بطريقة التشغيل ونوعية المواد الكيمياوية وكمياتها وطريقة ضبطها.

تواصل معنا

اترك لنا القليل من المعلومات ، وسنكون على اتصال.